الوفاء للغة ومحبيها

الوفاء للغة ومحبيها

بقلم:
د عبد الرحمن عبدا لله العوضي
PDF:
لا

          الوفاء هو خصلة اجتماعية خلقية تتمثل في التفاني من أجل قضية ما أو شيء ما بصدق خالص والوفاء أصل الصدق، وبمعنى آخر هو صفة إنسانية جميلة عندما يبلغها الإنسان بمشاعره ومحسوسياته فإنه يصل لإحدى مراحل بلوغ النفس البشرية لفضائلها ، والوفاء صدق في القول والفعل معاً فمن فقد عنده الوفاء فقد انسلخ من إنسانيته، وقد جعل الله الوفاء قواماً لصلاح أمور الناس، لذلك فللغات حق على أهلها يجب الوفاء به، وفي طليعة من يلزمهم الوفاء بهذا الحق علماء الأمة عامة وعلماء اللغة بخاصة، ويعظم الوفاء بهذا الحق حين تعظم الأخطار التي تهدد اللغات، ويبلغ الوفاء بهذا الحق أسمى وأسنى غايات العظمة والشرف حين يكون وفاءً بحق لغة اصطفاها الله تعالى لتكون لغة ذكره الحكيم، وبذلك يكون التخلي عن الوفاء بحق هذه اللغة الشريفة خطأ أكبر، بل خطيئة كبرى، وبخاصة حين يستباح حماها المقدس، فتداهمها لهجات عامية، تشوهها من كل جانب وتغزوها لغات تجلجل، وتصلصل، وتستعلي عليها بدخيل يجترئ على موروثها العربي الأصيل.

          لذلك من الوفاء أجد لزاماً علي أن أخص بالذكر شخصيةً فريدة أفنت حياتها من أجل قضية اللغة بصدق خالص وتفانٍ من أجل أن تسود في مراحل التعليم المختلفة والتعليم العالي بوجه خاص، هذه الشخصية هي المربي الفاضل الأستاذ الدكتور/ يعقوب أحمد الشراح - رحمه الله- الأمين العام المساعد للمركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية الذي رحل عن عالمنا في يوليو من هذا العام بعد حياة حافلة بالعطاء في التربية والتعليم مجدداً ومطوراً لمناهج التعليم، خلال عمله بوزارة التربية وكيلاً مساعداً للتخطيط والشؤون الثقافية، فألف العديد من الكتب لمراحل التعليم نذكر منها، (كتاب العلوم) للصف الرابع المتوسط، (كتاب الأيض والاتزان) لثانوية المقررات ، (كتاب استثمار البيئة) للمرحلة الثانوية / القسم الأدبي ، (كتاب ثقافة بيئية) للمرحلة الثانوية / القسم الأدبي، (كتاب ثقافة بيئية وعلاقة الأحياء) للمرحلة الثانوية .

          و كانت لفقيدنا الراحل عطاءاته المتميزة في المجالات الثقافية والبيئية والصحية خلال عمله أميناً مساعداً للمركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية- مجلس وزراء الصحة العرب - جامعة الدول العربية، منها دعوته إلى الاهتمام باللغة العربية وأنها لغة الثقافة والتعليم، وذلك من خلال المؤتمرات والندوات التي يعقدها المركز ومن عطاءاته المتميزة نذكر بعضاً من مؤلفاته التي أصدرها المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية، كتاب (الوعي باستثمار المعرفة وتنميتها)، (عوائد المعرفة)، (الإنسان واستدامة البيئة )، ( رؤى وقضايا )، (التربية وتحديات العصر) وغيرها من الكتب .

          و كانت آخر كتاباته قبل رحيله عن التعليم والاهتمام باللغة وكيف يمكن تطوير منظومة التعليم والارتقاء بالطالب ورفع مستوى المعلم؟ الذي يؤدي إهمالهما إلى موت المدرسة ، فجاء اختياره لاسم كتابه (كيف تموت المدرسة؟) ليكون خاتمة أعماله في خدمة التعليم واللغة العربية، فقد حرص– رحمه الله– على إتمام هذا العمل وظهوره قبل وفاته، وكأن اختياره لعنوان هذا الكتاب من بين أكثر من (20) مؤلفاً من مؤلفاته تزامن مع القدر المكتوب من الله عز وجل ، فقد ترك - رحمه الله- إرثاً ضخماً من المؤلفات التي تدعو إلى تطوير التعليم والاهتمام بالطالب والمعلم، بالإضافة لتأليفه لكتاب (تعليم الكبار ومحو الأمية في الكويت) وقد تم تأليفه لهذا الكتاب بطلب من معهد التربية الدولي بألمانيا / اليونسكو، حيث طبع بعدة لغات عام (1985)، وغيرها من المؤلفات التي ساهمت في تطوير منظومة التعليم وحازت على جائزة الدولة التقديرية، فقد حصل - رحمه الله- على جائزة الدولة التقديرية من المجلس الوطني للثقافة والفنون والأداب في مجال التربية وعلم النفس عام (2004) وذلك عن كتاب (المناهج الخفية)، كما شارك في تحكيم العديد من الدراسات في المجالات التربوية والثقافية والبيئية، وتدريس طلبة ماجستيرعلوم البيئة كلية العلوم / جامعة الكويت، عام (2005-2006.(

نسأل المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل ما قدمه للنهوض بالتعليم والدفاع عن اللغة والهوية في ميزان حسناته.