الواقع العربي الحالي للترجمة

الواقع العربي الحالي للترجمة

بقلم:
د عبد الرحمن عبدا لله العوضي
PDF:
لا

     الوضع الحالي للترجمة بشكل عام، والترجمة التقليدية بشكل خاص، فهي ترجمة تقليدية تحتاج الوقت الكثير، وتعتمد على الإنسان، ويتكرر العمل والترجمة بشكل يومي مما يؤدي إلى اختلاف النتائج. فالترجمة تُعد حقل اختبار في شتى الميادين الأدبية والعلمية والاقتصادية وغيرها، حيث توفر مواداً خاماً أو مصادر لا ينضب معينها لدراسة المفردات والتراكيب والأساليب وصياغتها. ولذلك يجب التأكيد على أن الترجمة عصب الحياة الحديثة وأداة اتصال دولي وحضاري، وأننا كعرب ننتمي إلى أمة هي أشد ما تكون حاجة إلى عمليات ترجمية وتعريبية واسعة وعميقة لكثير من العلوم التي قد لا يتوفر عنها إلا القليل باللغة العربية، وأن العرب كانوا يوماً من الأيام يحترمون ترجمة العلوم احتراماً قلَّ نظيره. والحق أن هذا الكلام قد قيل كثيراً منذ بداية النهضة العربية الحديثة. كما كان أحمد لطفي السيد وبعض تلامذته يعتقدون أن عصرنا عصر ترجمة لا عصر تأليف. وكانوا يعنون بذلك أن الإبداع والتأليف حتى أواخر العشرينيات من القرن العشرين لم يصلا إلى ما وصلت إليه الأمم واللغات في نقل آدابها وعلومها.

     ولو نظرنا إلى عدد الترجمات في الدول العربية مقارنة بالدول الأجنبية سنجد أن الدول العربية تقع في أدنى قائمة طويلة تتصدرها اليابان التي تترجم حوالي 30 مليون صفحة سنوياً، بينما ما يُترجم في الدول العربية كلها لا يتعدى خُمس هذا الرقم، وتقول الأرقام أيضاً إن الحصيلة الكلية لما تُرجِم إلى العربية من عصر المأمون إلى وقتنا هذا لا تزيد عن عشرة آلاف كتاب وهي تساوي ما تترجمه أسبانيا في سنة واحدة، وتتسع الهوة كثيراً عند مقارنة ما يُترجم إلى العربية مع ما يترجم إلى العديد من لغات العالم، ولكن التخطيط السيئ هو الذي وضعنا في أسفل القائمة. وعلى الرغم من المحاولات الترجمية المتقطعة الجارية في بعض الدول العربية، فإن نسبة المُترجم إلى المُؤلف ما زالت لا تتجاوز الواحد بالمائة، في حين تصل هذه النسبة في بلد مثل بريطانيا إلى 10%، وفي بلد مثل الولايات المتحدة الأمريكية إلى 15%، وإذا أخذنا هاتين النسبتين في بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية كدليل على أهمية الترجمة في وجود تقدم الإبداع والتأليف، فهذا يعني بوضوح شديد أن الترجمة ليست عاراً، ولا عجزاً عن التأليف، ولا إفلاساً في الإبداع، وإنما هي مجال حيوي يتحرك في أجوائه الإبداع فيغتنى وينتج على نحو أفضل، وعندما ترتفع نسبة الترجمة لدينا إلى نسبة تقارب النسبة البريطانية على الأقل، نكون قد بدأنا السير علمياً وثقافياً في الطريق الصحيح ونحتاج أيضاً إلى ثورة فكرية كي نرتقي إلى المستوى الثقافي للدول الأخرى.