المصطلح ونقل المعارف

المصطلح ونقل المعارف

بقلم:
د عبد الرحمن عبدا لله العوضي
PDF:
لا

     إن الحديث عن المصطلحات عامة، والمصطلح الطبي خاصة يحتاج إلى بحث مستفيض وسرد لجوانبه، انطلاقاً من أهميته في عالم تتعدد فيه اللغات وتتنافس من أجل المكانة والانتشار والسمو والتأثير، والمصطلح يتأثر باللغة والمعرفة والفهم، ناهيك عن تأثره بالجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية في أي مجتمع. ويزداد التأثير على المصطلح بدلالاته وألفاظه ونحته واشتقاقه وتراكيبه، وبمعدلات سرعة نمو المحيط اللغوي الذي يخضع له المصطلح عندما تتفجر المعرفة، وتحدث التغيرات السريعة في المفاهيم والأفكار والتحولات المتتالية في بنية العلم والتقنية "التكنولوجيا" ومطالب الناس. لاشك أن المصطلح له دور أساسي وفاعل في تكوين المعرفة، وعندما تتعدد حقول المعرفة ويحدث لها التغيير تبعاً للأثر التاريخي والبحثي، فإن ذلك يعني أن المفهوم الذي ينطوي عليه شكل المصطلح يتعدد تبعاً لحقول المعرفة المختلفة، ونموها وتعقيداتها التي تتجاوز أحياناً حدود التفكير، وتؤدي إلى الاعتقاد بسلامة أو كفاية العلاقة بين المصطلح والمفهوم.

     لذلك فالعمل المصطلحي لا يخلو من التعقيدات التي تتصل بدرجة عالية بميدان البحث في الأصول المصطلحية للمفاهيم المعرفية، فيواجه المصطلحي أحياناً إشكالية ضبط حدود المصطلح، والغموض، والانقطاع، والتراجع عن الاعتماد بسبب التأثيرات الكثيرة التي يواجهها المصطلح، ومنها تشابك حقوله المعرفية وتداخلاتها، وخاصة المعارف أو التخصصات المجاورة التي تغيّر من بنية المصطلح الشكلية والدلالية. والمصطلح يتأثر أيضاً بالثقافة، أي أنماط التفكير والممارسات الفعلية والتحولات الاجتماعية والبيئية والأبعاد التاريخية والتراثية، وكذلك الإنجازات الإنسانية الحديثة، لذلك فالأطر الثقافية والحضارية تلعب دوراً مهماً في الدلالات المصطلحية، ليس فقط في أبعادها المحلية، وإنما أيضاً في علاقتها بالثقافات والحضارات الأخرى، هذا الواقع يجعل المصطلح ومفاهيمه خاضعاً للبيئة الثقافية وشروط حقل المعرفة، وأيضاًً مواكبة الحاجات الأخرى.

     إن تراكم المعرفة بذاته يؤدي إلى تعقيدات مصطلحية، منها عدم استقرار المفاهيم وتكاثرها، وإزالة ومحو بعضها، وظهور أخرى جديدة، وخلق مفردات ضرورية، وغيرها تشكّل عقبة أمام المصطلحيين ليس في الوصف والتحليل والاستقراء، وإنما في القدرة على التحليل واستخراج النتائج. ويبدو أن ذلك مرتبط بعدة أمور منها المحاولات المخلة عند نقل المصطلح من ثقافة أجنبية إلى عربية دون مراعاة لخصائص بنية المصطلح الأصلية سواء في اللغة الأصلية أو اللغة المنقول إليها، كذلك انتزاع المصطلح الذي أنتجته ثقافة معينة ونقلها إلى ثقافة أخرى مختلفة، وإدخال دلالات حديثة عليه تجعله غريباً وشاذاً ولا يتناسب مع السياقات الثقافية للبيئة التي احتضنت هذا المصطلح الوافد.

     ما من شك أن المصطلحات الطبية جزء من اللغة رغم أنها تُشكِل لغة خاصة بها، وفهماً قد يختلف المصطلحيون على أنماطه وأشكاله وتبايناته وتعقيدات القبول العام لتوحيد كل المصطلحات، وهذه الظاهرة لها أسباب كثيرة منها التحيز للاختصاص، وتباين الخلفيات الثقافية والاجتماعية والفلسفية والمنطقية وغيرها، لكن البعد اللغوي للمصطلح هو أكثر العوامل تأثيراً، وبالتالي فالمصطلح يعتمد عليه أكثر من اعتماده على الأبعاد الأخرى وهذا البعد اللغوي ساهم في تذليل الكثير من العقبات التي واجهها المركز في سعيه المتواصل لإنجاز مشروع المعجم المفسر للطب والعلوم الصحية الذي هو بمثابة موسوعة طبية، ومرجع يضم المصطلحات وتفسيراتها الطبية مدعّمة بالأشكال والصور ووسائل الإيضاح الضرورية التي تعُين على الفهم والمتابعة، والدليل على ذلك ما قام به الأطباء العرب منذ الستينيات بوضع معجم طبي موحد، تطور مع مرور الزمن إلى مجلد يحوي آلاف المصطلحات الموحدة الطبية من كل التخصصات وباللغة العربية، بل إن هذا المعجم الطبي الموحد ظل ومازال معجماً يعتمد عليه المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية بالكويت في كافة أعماله واستخدام مصطلحاته.