أهمية تدريس علم المصطلح

أهمية تدريس علم المصطلح

بقلم:
د عبد الرحمن عبدا لله العوضي
PDF:
لا

     لقد كرمنا الله تعالى بأن جعل اللغة العربية لغة القرآن الكريم حفظها لنا سبحانه بحفظه للقرآن فقال تعالى "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُون، "أية"( ٩) ،سورة الحجر، كما اشتملت هذه اللغة ألفاظ ومعاني الحديث الشريف والشريعة السمحاء، ومع ذلك فإننا دون سائر الأمم مازلنا نهمل لغتنا ونحارب التمسك بها، ونلجأ لتعليم أبنائنا باللغة الأجنبية في مؤسسات التعليم، وأحياناً نتحدث في منازلنا مع أبنائنا بلغة أخرى أو بلغة مهجّنة من العربية والأجنبية.

     وإنه لمن العجب أن نجد بعض الدول محدودة القدرة والإمكانات تهتم بلغتها، وتُدرّس بها مختلف المعارف ومنها العلوم الطبية والصحية، والكثير من دول العالم يضع القوانين من أجل التعامل مع لغاتها وعدم إحلالها بلغات أخرى في التراسل والتعليم والترجمة والتأليف وغيرها، انطلاقاً من اعتزازها بلغاتها الوطنية، وعلى أساس أن اللغة مرتبطة بالأمة والهوية والوجود والتفكير، لكن الذي نشاهده في عالمنا العربي واقعاً يختلف عن واقع اللغات في العالم، فنحن مازلنا نُدرّس أبناءنا في المؤسسات التعليمية، وخاصة كليات الطب مختلف المعارف باللغات الأجنبية، بل إن اللغة الأجنبية أصبحت لغة التخاطب والتراسل والنقل والنشر في الكثير من أقطارنا العربية.

     إن الدارس لهذا الواقع في أقطارنا العربية يستشعر مخاطر التعليم بغير العربية التي من أبرزها خلق شعور الغربة والضياع عند المتلقي، وتطبيع فكره وثقافته بطابع اللغة الأجنبية، وبمدها الثقافي، وتأثيراتها الذهنية والنفسية التي لا يستطيع الطالب في المدرسة، أو الجامعة أن يتخلص منها أو يقاومها حتى لو حاول هذا في الوقت الذي ندرك تماماً أن نظريات التعليم والدراسات النفسية والاجتماعية تؤكد مخاطر التعليم بغير اللغة الأم، وخاصة في المراحل الأولى من التعليم.ولقد اكتشفت منظمة اليونسكو أيضاً مشكلات التعليم بغير اللغات الوطنية، فأصدرت بياناً تؤكد فيه أهمية استخدام اللغة الوطنية في التعليم إلى أقصى مرحلة ممكنة، فأين نحن من هذه التوصيات الدولية ونتائج الدراسات البحثية في مجالات التعليم واللغة والفكر والمعرفة، خصوصاً وأن العالم يعيش عصراً تتنافس فيه اللغات، وتتوغل الثقافات بسلبياتها وإيجابياتها، وتسعى الأمم لحفظ لغاتها من خلال إصدارها للتشريعات المُلزِمة باستعمالات اللغات الوطنية في التعليم والتراسل والثقافة وغيرها.

     إن واقعنا اللغوي هذا لا يسعدنا كثيراً ما دمنا نُعلِّم أبناءنا بلغة أجنبية، ونُقدّم الحوافز والوظائف في أسبقية مكشوفة تحدد أن كل من يتخرج من الجامعات الأجنبية له الأفضلية على غيره من خريجي الجامعات العربية، لذلك ليس بمستغرب أن يتعلم أبناؤنا باللغة الأجنبية في أكثر من 90٪ من كليات الطب العربية التي تُعلِّم أو تُدرّس بالأجنبية، وينطبق هذا الواقع على كليات العلوم والاقتصاد والإدارة والمعلومات والصناعة والتكنولوجيا.

     وللتعليم الطبي بلغة أجنبية في الكليات العربية مساوئ لا حصر لها، أبرزها أن المتخرج من كلية الطب العربية، لا يمتلك المهارات الأساسية لا في اللغة العربية ولا في اللغة الأجنبية، خصوصاً وأن المعلم يُدرّس أحياناً بلغتين وعلى نحوٍ مهجّن، وكثيراً ما سمعنا محاضرات أُلقيت في قاعات جامعات عربية مرموقة بلغة مهّجنة اختلطت فيها العامية المحلية بالمصطلحات الأجنبية اختلاطاً عجيباً، وقد أدى انفراط عقد الأمة، وعدم انسجامها وتوحدها إلى فرض تبعية مقيتة عليها في النواحي السياسية والاقتصادية واللغوية والثقافية، وإن لهذه التبعية أثراً في تعدد المصطلح المعرّب وازدواجيته في شتى العلوم، لذلك كان اهتمام الجامعات بتدريس المصطلح للابتعاد عن فوضى تعدد المصطلح الناتجة عن تباين اللهجات واتساع جغرافيا الوطن العربي وتجنباً للارتباك المصطلحي بالعالم العربي.