كيف تموت المدرسة ؟

كيف تموت المدرسة ؟

بقلم:
المركز العربي لتأليف وترجمة العلوم الصحية
PDF:
لا

     إن الحديث عن التعليم يحتاج إلى المزيد من البحث والتقصي بالتركيز على عناصر محددة عبر الدراسات الميدانية في التعليم الطبي العربي، خصوصاً وأن واقع التعليم لا يرقى حالياً إلى المراتب العالمية، ولا يحظى بنصيب وافٍ من الدارسات المفصلة لمشكلات التعليم المختلفة، خصوصاً ما يتعلق بتعلم اللغات، والعناية باللغات والفكر وتطور المعرفة، لذا ينبغي أن يكون تطور التعليم هدفاً استراتيجياً يصب في مختلف أنواع التعليم ومن ذلك التعليم الطبي والعربي.

      وقد جاءت فكرة هذا الكتاب "كيف تموت المدرسة ؟" من خبرة الكاتب الطويلة في مجال التعليم التي امتدت لأكثر من عقدين حدثت فيهما وبعدهما تحولات كثيرة في الأوضاع التعليمية أدت إلى تغييرات في مدخلات التعليم بفعل العوامل المحلية والخارجية. والكتاب لا يتحدث عن وضع تعليمي في نظام معين، وإنما يسلط الضوء على بعض أنظمة التعليم كنماذج تعكس مؤشرات تعليم راقية على سلم تطوير التعليم العالي، حيث تشكل الاتجاهات العصرية تحديات هائلة أمام أنظمة التعليم، وتزيد من مسؤوليات المدرسة، وهي تحاول جاهدة المواكبة والتعامل مع المستجدات، فليس هناك مكان لمدرسة تعاني الوهن والمرض، بينما تتبدل التحديات العلمية والتربوية وتزداد يوماً بعد يوم أمام المطالبات المحلية والدولية بأهمية العمل، ليس فقط على تجويد التعليم، وجعله أكثر مناسبة للاحتياجات المختلفة، وإنما كذلك تلبية المدرسة للمطالب الدولية في مجالات السلام ونبذ العنف والتسامح، ومسايرة مفهوم العولمة التي تسعى لترسيخ فكرة أن العالم متحد ومتضامن تتلاقى فيه المصالح المشتركة، وأن الانفتاح على العالم ضرورة لتقدم المدرسة، لأنها نواة النظام التربوي، والمكان الأساسي الذي تحدث فيه العملية التعليمية.

     والكتاب يركز على العوامل الداخلة في وهن وضعف التعليم العام التي تنعكس على التعليم العالي، هذا وقد حاول الكاتب التطرق لأولويات المشكلات ذات العلاقة بالتوجهات العالمية المتفق عليها في مؤشرات التعليم والتي تسعى غالبية الدول قدر استطاعة كل منها السعي لها رغم التفاوت الكبير في الإمكانات المتعددة. فالحقائق الراهنة عن الحالة التعليمية التي تعيشها دول كثيرة تعكس عدم الاهتمام بالتعليم في دول لا تخجل من الادعاء بأنها تمتلك أفضل أنظمة التعليم مقارنة بغيرها، لذا توجه الانتقادات للتعليم في البلاد العربية لتدني مستوى التعليم، فنحن بحاجة إلى الاهتمام بالتعليم لتقوية التلاميذ في اللغة الأم واللغات الأخرى، فالتعليم القوي أساس كل تنمية.

     ولدور المركز في العناية باللغة العربية وإيمانه بأن اللغة الأم هي التي يجب أن تسود في التعليم العام والتعليم الطبي خاصة، فإن هذا الكتاب يسلط الضوء على أبرز القضايا في هذا المجال لإيضاح شدة العلاقة بين التعليم والميادين الأخرى، ومنها التعليم الطبي الذي مثل غيره يرتكز على اللغة والمعرفة والثقافة والتطورات العلمية المتسارعة، لذا قام المركز ولسنوات عديدة بعقد الندوات الثقافية والإصدارات الطبية التي ركزت على مشكلات التعليم العربي واللغة العربية، إيماناً منه أن مخرجات التعليم العام العربي وتدنيه بشهادة المراكز والمنظمات الدولية من العوامل الأساسية في تكاثر مشكلات التعليم عامة والتعليم الطبي على وجه الخصوص.

      لقد حاولنا في تحليلنا للقضايا السابقة أن نقترب كلما أمكن من المؤشرات الموضوعية والحاكمة لوظيفة المدرسة، فعدم قدرة المدرسة على أداء مسؤولياتها يجعلها في أدنى المراتب، حيث لا فائدة ترتجى منها، واستمرار ضعفها يعني موتها، ومعاناة الأمة من التداعيات الآنية وبعيدة المدى. إن دراسة مؤشرات الوهن التعليمي ضرورية لمعالجة الأسباب، وتلافي الصعوبات، وبالتالي تجنب موت المدرسة، وعلى الرغم من أن هدف الكتاب هو تطوير وتعزيز التعليم بين المواطنين، وأن هذا الأمر ليس من صميم الكتب التي يصدرها المركز في المناهج الطبية والثقافة الصحية، إنما الهدف منه الوصول إلى المجتمع بشتى الوسائل لتقديم هذا الموضوع بأسلوب جديد يساعد على توسيع المعرفة العلمية لدى الإنسان، فقد حرص مؤلف هذا الكتاب الدكتور يعقوب أحمد الشراح ــ رحمه الله رحمة واسعة ــ وأثناء تلقي العلاج بالخارج على إتمام هذا الكتاب وظهوره، وكأن اختياره لعنوان هذا الكتاب (كيف تموت المدرسة ؟) من بين أكثر من (20) مؤلفاً سابقاً له تزامن مع القدر المكتوب من رب السماوات والأرض المحي المميت ــ سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته وأن يجعل مسيرته الحافلة بالعطاء لتطوير التعليم والعناية باللغة العربية في مراحل التعليم عامةً والتعليم الطبي خاصةً شفاعةً له ونوراً في قبره.

     نأمل أن يكون هذا الكتاب مبادرة من المركز لدعوة الجهات المختصة الأخرى للعمل على تطوير التربية والتعليم حتى يتحقق توصيل المعلومات الحديثة للمواطنين بالوطن العربي، وأن يكون سبيلاً وحافزاً لدى الباحثين والمهتمين بالتعليم للتوصل لحلول ناجحة تعين على تخطي العقبات تجاه التنمية البشرية التي تتولى شؤونها العملية التربوية، فهذه العقبات أكثر اتساعاً وتأثراً في أنظمة التعليم النامية، ومنها التعليم العربي الذي يحتاج إلى معالجات واقعية في إطار رؤية مستقبلية تتناسب مع مطالبات المجتمع في تحقيق نقلة نوعية خاضعة للمساءلة والمتابعة الجادة.