عوامل الترجمة العربية (الكم والكيف) وتحديات لغوية

عوامل الترجمة العربية (الكم والكيف) وتحديات لغوية

بقلم:
د يعقوب أحمد الشراح
PDF:
لا

إن الحديث بالتفصيل عن عوامل الترجمة العربية من الناحيتين: الكم والكيف يحتاج بلاشك إلى حيز أكبر مقارنة بما هو متاح. ولكثرة وتداخلات هذه العوامل نكتفي بالبحث في بعضها من منظور تداعياتها على اللغة العربية أمام تحديات لغوية تريد الصدارة في الريادة الثقافية واللغوية، وإنه لا مكان لثقافات ضعيفة لا دور لها في تقدم الأمم .

 

إن اعتزاز العرب بتاريخ العصر الذهبي للترجمة والتأليف والتقدم العلمي لا ينبغي أن يكون مجرد شعار يوقف الاندفاع نحو إحداث نقلة نوعية في الثقافة العربية الحديثة التي بشهادة متحدثيها وأهلها لا تواكب المستجدات في العالم. فالحاضر ينبغي أن يكون امتداداً لعصور التنوير والنهضة، وعلى خط تنمية ثقافية ذات طابع متقدم يليق بالزمان والمكان، له شكله ونوعه وديمومته دون انطواء أو عزلة، أو خلاف ونزاع يدمر حركة البناء والتقدم. فلاحاجة للبكاء على الماضي، وإنما ينبغي التعلم من الدروس والحقائق من أجل المستقبل، وهو ما كان يفعله الأسلاف في أزمان النهضة والتنوير .

 

- إن عصر الخليفة المأمون لم يكن العصر الذهبي الوحيد للترجمة، فلقد سبق عصره عصور أخرى حدثت فيها تغيرات كثيرة في الأفكار، والمعتقدات، والاختراع كان لها دور في تطوير الترجمة والنشر، ونقل المعرفة بين الأمم. فمن يعتقد أن أقدم مترجم كان هو الخطيب الروماني شيشرون 43 – 106 م الذي اعتبر أقدم مدرسة من مدارس الترجمة أكد على حرية النقل والتمسك بالقيم البلاغية والجمالية في التعبير والتفسير. ومن يرى أن الإيطالي ليوناردو أرتينو 1374 – 1444م ركز على التلازم بين اللفظ والمضمون باعتبار أن المضمون يشير إلى المعنى، واللفظ يهدف إلى النص البلاغي . 

 

يذكرنا التاريخ أن الحضارات متفاعلة، واختلاط الأمم أدى إلى أن يتأثروا ويؤثروا في بعضهم البعض، فلم تكن هناك حضارة منعزلة لم تفتح أبوابها على الحضارات الأخرى، أو أنها تعطي ولا تستفيد. ومن أبرز عوامل التأثيرات المتبادلة للحضارات نشاط الترجمة بين لغات الأمم، فلقد اعتبر الأقدمون الترجمة مشروعاً حضارياً مهماً يساهم في التقدم والإبداع ونقل المعارف. لذلك أنشأوا المراكز والمدارس، ودربوا العلماء والمترجمين، كما أنهم قدموا الحوافز المادية للمترجين، فمن يتصور أن يقدم المأمون لحنين بن إسحاق ذهباً يعادل وزن الكتاب الذي يترجمه؟ ! ولم تكن الترجمة، كما في العصر العباس، ترفاً أو مجرد وسيلة للتكسب وإنما كانت تتم في إطار حاجات المجتمع لنقل المعارف في مجالات الهندسة والطب والعلوم والفلك والتنجيم وغيرها: فلم يكن هنالك شعور بالخيفة أو الريبة من ترجمة أعمال الآخرين، أو لأمم لها عاداتها وأديانها ومعتقداتها المختلفة مقارنة بالتوجس والحذر من كل ما هو قادم من الخارج إذا ما تمت ترجمة أعمال أناس آخرين . 

 

- ومع أن العرب عرفوا الترجمة منذ القدم بسبب الترحال والتجارة والفتوحات الإسلامية، بل منذ عصر الجاهلية احتك العرب بالروم والفرس والأحباش، إلا أن كل عصر أو زمن تميز عن غيره بمستوى التقدم في الترجمة العربية، وبنقل المعارف في شتى المجالات العلمية. فالترجمة ازدهرت في العصر العباسي مقارنة بالعصر الأموي، كما أن الترجمة كانت ضعيفة في بداية عهد العرب والمسلمين. ففي زمن الدولة الأموية كان الاهتمام بحركة الترجمة منصباً على ترجمة الدواوين. لكن التراجع عن الترجمة أو عدم تقدمها بدأ نتيجة لدخول الدولة الأموية في صراعات سياسية، خاصة مع معارضة الأمويين في الأندلس واعتبار أن الترجمة "هرطقة" داخلة إلى الدين. ويعتبر يعقوب الرهاوي من أشهر المترجمين في العصر الأموي لترجمته الكثيرة للكتب اليونانية في العمارة والطب والفلك . 

 

- لقد ازدهرت حركة الترجمة في العصر العباسي بعد الفتوحات الإسلامية، واتساع رقعة الدولة، والاحتكاك بالشعوب الأخرى كالفرس واليونان، فقام العرب بترجمة علوم اليونان والأعمال الأدبية الفارسية، وكانت الترجمة نشطة في ميادين الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والنقد والموسيقى، والمعروف أن الترجمة وصلت ذروتها في عصر الخليفة هارون الرشيد وابنه المأمون، خصوصاً تأسيس مدارس مثل دار الحكمة في بغداد. 

 

ولشدة الاهتمام بالترجمة العربية في العصر العباسي كان المترجمون ملمين باللغات الأخرى كالسريانية والفارسية واليونانية. وكان العمل جماعياً في الترجمة لدى الخلفاء العباسيين، بينما في العصر الأموي كانت محاولات فردية مرتبطة بنشاط وشخصية كل خليفة. ويُروى أن سلمان الفارسي كان له السبق في ترجمـة معانـي سـورة الفاتحـة إلـى الفارسيــة أمــام النـبـــي (صلــى اللــه عليـــه وسلـم)، كـمــا اشتهــر زيد بن ثابت الأنصاري الخزرجي بأنه أول مترجم في الإسلام، وورد أنه كان يكتب السريانية والفارسية واليونانية والعبرية.